تتساقط من حولي أوراق التوت، ألتقطها كل واحدة على حدة و أتذوق طعمها الكريه و روحها الشريرة، أوجه وجهي في كل مرة إلى الله لأطلب المغفرة و صلاح النفس … لكنني سريع، هكذا قال طلعت !

أستلقي كل ليلة أمام لوحة من الأزرار لأعيش قصة جديدة في عتمة جديدة، أُردد بضع آيات و قليلا من السُّكر علني أكمل من إنسانيتي ما غاب عنها في باقي اليوم. سِرتُ بعيداً عن المسجد و عاشرت الغجر و الانتحاريين و راقبت النساء عن كثب … فأصبحت زير نساء .. !

قابلت الكثيرين و حدثتهم بما أسِرّه و ما أؤمن به و كل ما لم يحصل معي يوماً، صادفت كذلك بعض الأوراق الملآ و الفارغة و قطعت بحوراً في الأحلام !

إنها حالة اضطراب نفسي حين الخشوع و هلع و شهوة، ربما أكون رجلاً ضائعاً بين دروب الزمان و تائهاً بين بيوته، راغباً في الانتقال إلى عالم أكثر صفاءً … بعيداً عن الإنسانية !

مشكلتي أنني أريد صُنع المشاكل و الابتعاد عنها في الآن ذاته، لكن فريضة الحج و فاطمة شيئان متكاملان لا يجتمعان. حدثني أيوب كثيراً عن الفلسفة و الفلاسفة، عن حمقهم و ذكائهم و خبثهم أيضاً. أظنني فيلسفوفاً لكن في الظلام فقط … متمرداً خارجاً عن منظومة التفكير.

رأيت الكثيرين ممن دوّنَ لهم التاريخ، يشبهونني كثيراً، دالي و نيتشه و غيفارا، رأيت فيهم ما أنا عليه لكنهم لم يكونوا أبدا كما كنت سأكون.

أبي، ذلك الرجل المكافح في نظره، الذي لم تستعص عليه الحياة و تخطى كل الصعاب و عاش يتيماً بين جدران مراكش، أراه أمامي كحجرة صماء لا تضر و لا تنفع إلا بالراتب الذي تقرضه إياه الوزارة بعد أن طردته حين بلوغه الستين ! مساكين هؤلاء الذين يخضعون للأنظمة و ينتظرون منها قوتهم، فقط من أجل ولاء كاذب لها.

تَرَبّيتُ في كنف أسرة خاضعة للحياة بالفطرة، فقُدِم كل إخوتي قرابين للفشل، كنت أعي أن كل ما يفعلونه أخطاء خائفة من الجرأة، كانوا يقبعون داخل قبعات إفرنجية مرصعة بكلمات عربية و يعدون للخوف كل العتاد !

نضجت، و ها أنا أتحدث و أكتب و أفعل ما لا يفعله الآخرون. صُدِمت من حقيقة الحياة بعد أن كنت ذلك الطفل القابع في الركن، الخائف الضعيف، هذا ما كنت أعتقده أو ما أرادوني أن أعتقده. كانوا يقولون لي إنني سليل النبوة و إن لا دور للمرأة في النسب ! كيف ذلك و هي من يحبل و يضع … و أخبرنا رسولنا الكريم عليه الصلاة و السلام أن الجنة تحت أقدام الأمهات. شككت في كل ما يقولون و حكّمتُ عقلي فأيقنتُ حينها أنني إنسان كباقي بني البشر.

هُراءٌ أن يعتقد الرجل منا أن التاريخ يميزه بما هو عليه بيولوجياً. لم يدخل هيرقل طيات كتبه إلا لكونه ملكاً عظيماً لا لفحولته، و لم تدخلها أيضاً راقصة أو عاهرة أو لص خائف …