هذه المرة اخترت كتابة نثر علني أجد فيه ما غاب عني في الخاطرة …

تسري الأحداث عكس موج كلماتي، و غاب أيضاً مكون ما يثري سردي ليجعل منه ما أعيش …

يوميات عاشق متخلف

 

1- أ أنا الأبله أم أنتِ البلهاء ؟

 

محاطات بأدرع آدمية تقترب إلى الهشاشة من الحماية، وسط صخب كاذب ناتج عن خبث الكلمة، مزينات بكل الألوان و حلقات الأذن و الأنف و أمكنة أخرى. تتجمعن منتشقات دخان لفافات حقيرة، خائفات من كلام الناس و قسوة آبائهن … الكل يرقب ما يحدث و يشتم رائحة “العشبة” من بعيد.

منذ شهر و بضعة أيام جمعنا حب جميل، ابْتعَدَت به عنهن و صِرنا لا نعرف ممن حولنا غيرنا. قطعتُ أواصر قرابتي مع الذكور و هي كذلك لم تعد أنثى. نكتشف طبيعتنا كلما غصنا تحت فراشي الأزرق. و تعود لتقول في كل مرة يشتد فيها نزاع على أبسط الأشياء أن كل شيء على ما يرام إلا أنها اشتاقت لصديقاتها. أي صديقات هن، عاشقات التبغ و النبيذ و الملابس الفارهة و نظارات الشمس التي يساوي ثمنها أجرة عامل بسيط، متتبعات الموضة و وفيات ماكدونالدز، المتعلقات بأي ممن كان أبوه صاحب مال و جاه و سلطة يمتطي سيارة رياضية أو أخرى على شكل دبابة حرب … ألتزم الصمت لساعات أفكر و أحلل ما أراه و تعاتبني دائماً و تقول أنني غريب الأطوار و أن صمتي يعني أنني لا أحبها و أريد الانفصال عنها. لو أنها تعلم ما بي صامتاً و ما يجول في خاطري من كلام عميق لا يفهم معناه غيري.

في كل محادثة، أحاورها بنفس ما أسِر به في نفسي فينقلب حديثنا عن اللغة و ضوابطها و شرح ما استعملته من مصطلحات. تجعلني أحس أنني قديم بل متخلف، و أخال نفسي شاعراً عباسيا مرتدياً عمامة تكاد تسقط برأسه عن كتفيه …

أزيد تيقنا أنني متخلف عن هذا العصر عندما أصغي إلى محادثاتها و صديقاتها عن جديد الملابس و أطيب الأكلات الأمريكية و الفرنسية. يزيد اندهاشي حينما أرى مجلات، و قد اقتنَيَتْها، لا يوجد بين أوراقها سوى صور و أثمنة و إشهارات محلات. أطمئِن نفسي قليلاً عندما ألحظ الحشد الهام ممن يهتمون بهذه الأشياء و أظن أن الحالة الاجتماعية للوطن قد تحسنت و أن أغلب المواطنين بورجوازيون يشترون من الأحذية و البناطيل و السترات ما لا يقل ثمنه عن الألف درهم. أغيب عن الوعي للحظة و أتذكر الأسواق الشعبية و الخردة التي يتوجه إليها المعوزون من أبناء بلدي و كلهم أمل أن يستعدوا للشتاء القادم بملابس جيدة مما وُجد في مزابل النصارى و ألا تتعدى تكلفة كساء الأسرة مائة أو مائتي درهم. أعود للتساؤل مجدداً، من أين حصل هؤلاء على كل تلك الأموال فقط من أجل شيء يرتدونه يوماً أو يومين ثم يعرضون عنه أو ركوب سيارة يتعدى ثمنها ميزانية مدينة من المدن … و الله لا أدري !

يسير بي خيالي مستشرفاً لمستقبل أفضل من الحاضر، كأي محب حق، انتهت به كل طموحاته و أهدافه في الحياة إلى أن تلخصت في شخص من يحب و أصبحت كل مشاغل الدنيا أشياء من العبث. يستقر ذهني كل مرة في جزيرة من جزر تفكيري المحاطة بأمواج عاتية و رياح قوية في كل الفصول، لا يختلف جو أي واحدة منها عن الأخرى … توقظني بصرختها الجميلة مدلِّلَة إياي بتسميتي بذلك النوع من الخضر الذي لا أحبه.

   - ” مَالْكْ أَ اللّفْتْ ؟ “.

و تسترسل حديثها المعهود عما يشغل بالها، من ماكياج و صباغات الشعر و تسريحاته، بقوة رباعية الدفع حتى إذا أنهت صمتت و حدقت طويلاً في الجوار حتى يثير انتباهها شيء غير معهود للأنظار لتبدأ حديثاً جديداً …