كما ألفت كل ليلة التوجه إلى المقهى وحيداً، عفواً، و برفقتي قلم و أوراق، لكتابة خاطرة جديدة أضيفها على سابقاتها … ها أنا هذه الليلة أحاول إعادة ما كنت أفعله سابقاً بعد انقطاعي على هذه العادة …

أحاول إعادة “المشاهد” بتفاصيلها، إن لم أكن قد نسيت شيئاً.

تناولت وجبة العشاء و كعادتي فإني أول من يفقد الشهية، و يقولون لي دائماً أن هذا هو سبب هزالة جسمي و نحافتي و توقف نموي !… رحت أرجو أخي “الموظف” ليمنحني عشرة دراهم أمضي بها الليلة، يرفض بشكل لطيف و يبرر موقفه و يقول: ” نعطيهالك باش تكمي بيها ؟! “، لكنه يتراجع و يدس يده في جيبه و يمن علي بالمبلغ اللازم للسهرة، آه … على فكرة، أثمنة المشروبات في المقاهي بمدينة الرشيدية لا تتعدى خمسة دراهم. أحذت الألف فرنك و توجهت إلى غرفتي لأرتدي ملابس السهر و أتعطر و أجمع أوراقي المبعثرة في كل مكان و أبحث عن قلمي الضائع مرة تحت فراشي، مرة بين ملابسي و مرة أخرى في مكانه فوق مكتبي الصغير.

تأكدت من عدم نسيان أي شيء، قصائد نزار و مقالات أيوب، و خواطري المتردية أوراقها، و تعمدت ترك ساعة اليد على الطاولة لأشبع رغبتي في الكتابة و لا أعرف الوقت إلا حين طلوع النهار أو آذان صلاة الصبح،إذا سمعته طبعاً، لأنني سأكون مبحراً في عالمي الخاص.

خطوات قليلة تفصلني عن المقهى و شوقي إلى أوراقي المحفوظة في الملف المغلق يزداد و يكبر … لحظة من السكون و توقف التفكير، و فجأة صوت مألوف يناديني :” عبدالله … عبدالله …”، أف إنه “حسن” قريبي المتطفل الذي يتكلم بدون انقطاع، وقف أمامي و أنا أتأمل عينيه الغائرتين و ابتسامته التي لا تختفي عن وجهه حتى عند نومه، و قلت في نفسي: ” لا كتابة، و لا خواطر اليوم …. !”