أبسط ما يمكن للإنسان فعله يمكن أن يجر عليه من المصائب ما لا تحمد عقباها و هذا هو الشؤم، و من الممكن جدا أن ينقلب هذا الشؤم خيرا لدى البعض و حينها أسميه طهارة. كذلك حدث معي ذات زوال بعد قبلة إفرنجية أخذتني في مهاب القوم السعداء و كانت نزلة مطر خفيف محمل بالنقاء و الصفاء. ما أن انقضى نصف الحول حتى انقلبت نقمة و لم يعد لشفتاي نفس المفعول !

كل شيء فانٍ، حتى الشعارات و الخطب التي ما فتئت تردد صداها منذ قديم الأزل .. زالت و انتهت. قُدر لكل منا حياة يعيشها ليكتشفها و يتعايش مع مكوناتها و يعتَبِرَ بما يموت بأفول الشمس و بما يعيش طويلاً …

من الطبيعة ما يبهر و من الخلق ما يُحَيِر، من البشر أيضاً من لا يستحق حتى نظرة انتقاص بل قبلة خداع و تنكر … أولئك من تمتطي سحنتهم غضبة من الشيطان و يعتلي مشيتهم تعثر و تراجع …

تتساقط من حولي أوراق التوت، ألتقطها كل واحدة على حدة و أتذوق طعمها الكريه و روحها الشريرة، أوجه وجهي في كل مرة إلى الله لأطلب المغفرة و صلاح النفس … لكنني سريع، هكذا قال طلعت !

أستلقي كل ليلة أمام لوحة من الأزرار لأعيش قصة جديدة في عتمة جديدة، أُردد بضع آيات و قليلا من السُّكر علني أكمل من إنسانيتي ما غاب عنها في باقي اليوم. سِرتُ بعيداً عن المسجد و عاشرت الغجر و الانتحاريين و راقبت النساء عن كثب … فأصبحت زير نساء .. !

قابلت الكثيرين و حدثتهم بما أسِرّه و ما أؤمن به و كل ما لم يحصل معي يوماً، صادفت كذلك بعض الأوراق الملآ و الفارغة و قطعت بحوراً في الأحلام !

إنها حالة اضطراب نفسي حين الخشوع و هلع و شهوة، ربما أكون رجلاً ضائعاً بين دروب الزمان و تائهاً بين بيوته، راغباً في الانتقال إلى عالم أكثر صفاءً … بعيداً عن الإنسانية !

مشكلتي أنني أريد صُنع المشاكل و الابتعاد عنها في الآن ذاته، لكن فريضة الحج و فاطمة شيئان متكاملان لا يجتمعان. حدثني أيوب كثيراً عن الفلسفة و الفلاسفة، عن حمقهم و ذكائهم و خبثهم أيضاً. أظنني فيلسفوفاً لكن في الظلام فقط … متمرداً خارجاً عن منظومة التفكير.

رأيت الكثيرين ممن دوّنَ لهم التاريخ، يشبهونني كثيراً، دالي و نيتشه و غيفارا، رأيت فيهم ما أنا عليه لكنهم لم يكونوا أبدا كما كنت سأكون.

أبي، ذلك الرجل المكافح في نظره، الذي لم تستعص عليه الحياة و تخطى كل الصعاب و عاش يتيماً بين جدران مراكش، أراه أمامي كحجرة صماء لا تضر و لا تنفع إلا بالراتب الذي تقرضه إياه الوزارة بعد أن طردته حين بلوغه الستين ! مساكين هؤلاء الذين يخضعون للأنظمة و ينتظرون منها قوتهم، فقط من أجل ولاء كاذب لها.

تَرَبّيتُ في كنف أسرة خاضعة للحياة بالفطرة، فقُدِم كل إخوتي قرابين للفشل، كنت أعي أن كل ما يفعلونه أخطاء خائفة من الجرأة، كانوا يقبعون داخل قبعات إفرنجية مرصعة بكلمات عربية و يعدون للخوف كل العتاد !

نضجت، و ها أنا أتحدث و أكتب و أفعل ما لا يفعله الآخرون. صُدِمت من حقيقة الحياة بعد أن كنت ذلك الطفل القابع في الركن، الخائف الضعيف، هذا ما كنت أعتقده أو ما أرادوني أن أعتقده. كانوا يقولون لي إنني سليل النبوة و إن لا دور للمرأة في النسب ! كيف ذلك و هي من يحبل و يضع … و أخبرنا رسولنا الكريم عليه الصلاة و السلام أن الجنة تحت أقدام الأمهات. شككت في كل ما يقولون و حكّمتُ عقلي فأيقنتُ حينها أنني إنسان كباقي بني البشر.

هُراءٌ أن يعتقد الرجل منا أن التاريخ يميزه بما هو عليه بيولوجياً. لم يدخل هيرقل طيات كتبه إلا لكونه ملكاً عظيماً لا لفحولته، و لم تدخلها أيضاً راقصة أو عاهرة أو لص خائف …

خطابي إليك أيتها المادية …

لتصبحي القمر الذي يسقي الصحاري

و شمساً تمطر على أرضي سلاما و ضياء،

أزيحي عنك ذاك الرداء

انصهري فيَ … و اخلعي عنك كل الرياء،

أيتها المتكبرة،

تتصرفين كعجوز شمطاء

تريد من الليل أن ينير الغرفة

و من الإسكافي أن يضيء السماء …

بئس ما تطلبين سيدتي

تباً لما تنتشقين من هواء …

أنا رجل أثرى من الثراء

أنا جنين أعرى من العراء

أنا هو أعلم العلماء …

لباسي زنجبيل بلدي

و كلامي عن القرفة و الحناء

مجلسي أدب و غناء

حبيبتي إلهة حب، عطرها من الصفاء …

ألا يكفيني منك تعباً ؟

ألا يرهقك هذا الغباء ؟

بئس ما تعتقدين فيه آنستي

ليس من الصدفة كونت السماء …

فكيف لحُرٍ أن يحرر الإماء ؟

مكناس في 13/04/2008

هذه المرة اخترت كتابة نثر علني أجد فيه ما غاب عني في الخاطرة …

تسري الأحداث عكس موج كلماتي، و غاب أيضاً مكون ما يثري سردي ليجعل منه ما أعيش …

يوميات عاشق متخلف

 

1- أ أنا الأبله أم أنتِ البلهاء ؟

 

محاطات بأدرع آدمية تقترب إلى الهشاشة من الحماية، وسط صخب كاذب ناتج عن خبث الكلمة، مزينات بكل الألوان و حلقات الأذن و الأنف و أمكنة أخرى. تتجمعن منتشقات دخان لفافات حقيرة، خائفات من كلام الناس و قسوة آبائهن … الكل يرقب ما يحدث و يشتم رائحة “العشبة” من بعيد.

منذ شهر و بضعة أيام جمعنا حب جميل، ابْتعَدَت به عنهن و صِرنا لا نعرف ممن حولنا غيرنا. قطعتُ أواصر قرابتي مع الذكور و هي كذلك لم تعد أنثى. نكتشف طبيعتنا كلما غصنا تحت فراشي الأزرق. و تعود لتقول في كل مرة يشتد فيها نزاع على أبسط الأشياء أن كل شيء على ما يرام إلا أنها اشتاقت لصديقاتها. أي صديقات هن، عاشقات التبغ و النبيذ و الملابس الفارهة و نظارات الشمس التي يساوي ثمنها أجرة عامل بسيط، متتبعات الموضة و وفيات ماكدونالدز، المتعلقات بأي ممن كان أبوه صاحب مال و جاه و سلطة يمتطي سيارة رياضية أو أخرى على شكل دبابة حرب … ألتزم الصمت لساعات أفكر و أحلل ما أراه و تعاتبني دائماً و تقول أنني غريب الأطوار و أن صمتي يعني أنني لا أحبها و أريد الانفصال عنها. لو أنها تعلم ما بي صامتاً و ما يجول في خاطري من كلام عميق لا يفهم معناه غيري.

في كل محادثة، أحاورها بنفس ما أسِر به في نفسي فينقلب حديثنا عن اللغة و ضوابطها و شرح ما استعملته من مصطلحات. تجعلني أحس أنني قديم بل متخلف، و أخال نفسي شاعراً عباسيا مرتدياً عمامة تكاد تسقط برأسه عن كتفيه …

أزيد تيقنا أنني متخلف عن هذا العصر عندما أصغي إلى محادثاتها و صديقاتها عن جديد الملابس و أطيب الأكلات الأمريكية و الفرنسية. يزيد اندهاشي حينما أرى مجلات، و قد اقتنَيَتْها، لا يوجد بين أوراقها سوى صور و أثمنة و إشهارات محلات. أطمئِن نفسي قليلاً عندما ألحظ الحشد الهام ممن يهتمون بهذه الأشياء و أظن أن الحالة الاجتماعية للوطن قد تحسنت و أن أغلب المواطنين بورجوازيون يشترون من الأحذية و البناطيل و السترات ما لا يقل ثمنه عن الألف درهم. أغيب عن الوعي للحظة و أتذكر الأسواق الشعبية و الخردة التي يتوجه إليها المعوزون من أبناء بلدي و كلهم أمل أن يستعدوا للشتاء القادم بملابس جيدة مما وُجد في مزابل النصارى و ألا تتعدى تكلفة كساء الأسرة مائة أو مائتي درهم. أعود للتساؤل مجدداً، من أين حصل هؤلاء على كل تلك الأموال فقط من أجل شيء يرتدونه يوماً أو يومين ثم يعرضون عنه أو ركوب سيارة يتعدى ثمنها ميزانية مدينة من المدن … و الله لا أدري !

يسير بي خيالي مستشرفاً لمستقبل أفضل من الحاضر، كأي محب حق، انتهت به كل طموحاته و أهدافه في الحياة إلى أن تلخصت في شخص من يحب و أصبحت كل مشاغل الدنيا أشياء من العبث. يستقر ذهني كل مرة في جزيرة من جزر تفكيري المحاطة بأمواج عاتية و رياح قوية في كل الفصول، لا يختلف جو أي واحدة منها عن الأخرى … توقظني بصرختها الجميلة مدلِّلَة إياي بتسميتي بذلك النوع من الخضر الذي لا أحبه.

   - ” مَالْكْ أَ اللّفْتْ ؟ “.

و تسترسل حديثها المعهود عما يشغل بالها، من ماكياج و صباغات الشعر و تسريحاته، بقوة رباعية الدفع حتى إذا أنهت صمتت و حدقت طويلاً في الجوار حتى يثير انتباهها شيء غير معهود للأنظار لتبدأ حديثاً جديداً …

سامحني..

خذ كل النعيم و لا تترك لي شيئا

فقط قطعة جحيم تأويني و حبيبتي،

نأكل من لمساتها

و نرتوي من نظراتها

نسكر مما لا يصل إليه غيرنا …

ننتشي بكلمات الصباح

و نتألم في دقائق الظلام الأولى،

لنبتعد عن كل ما تعتقدون فيه، و نؤمن

بالحب و العصيان …

سامحني مجدداً …

دعني أقول أن الشيطان أفضل من الورد

و أن الورد لا يعرف ما يعلمه الشيطان …

لا تتكلم عمن يملك شيطانين

لا يتقنان شيئا، غير

إضعاف رجولتي

اعذرني يا أسمر …

ثانية و ثالثة … و سابعة و عشرين

فليكن اعتذارا أبديا تحييه كل صباح،

تضعه بين قصائدك إن ألِفته

أو ترمي به الآخرين إن آمنت بي …

 

 

 

مكناس في: 2008/01/10

01:00

كزوبعة أرسمها،
وجهاً لا أستطيع تذكره
حين المغيب، ساعة التوقف
جواباً بالرفض لا ينسى
في طيات الذكرى
حتى في السفر …
قرار الرحيل يصطحبه أيضاً،
ربما بلعت لساني !
أو خبأت بقايا كلماتي بين أصابعي ،
لا ملاذ لها غير بلاد الجان …

أكادير في 2006/08/18

doumou31.jpg

لكِ ما شئتي من رجال و متاع الدنيا …
اتركيني بسلام في فوضاي و ارحلي
عيشي كما تشائين
في ستر العيوب و إبداء المفاتن،
في إغراء الماء بسيقانك الحريرية،
و خشية الظهور بذلك الوجه …
… خذي من التعدد حاجتك،
إن كنت أكبر عدد فانسيني
و ضعي القبعة فوق الضريح
علني أتذكر ما كان حديثنا …

الرشيدية في 10/07/2007

لكِ ما شئت من رجال و متاع دنيا … اتركيني بسلام في فوضاي و ارحلي

كما ألفت كل ليلة التوجه إلى المقهى وحيداً، عفواً، و برفقتي قلم و أوراق، لكتابة خاطرة جديدة أضيفها على سابقاتها … ها أنا هذه الليلة أحاول إعادة ما كنت أفعله سابقاً بعد انقطاعي على هذه العادة …

أحاول إعادة “المشاهد” بتفاصيلها، إن لم أكن قد نسيت شيئاً.

تناولت وجبة العشاء و كعادتي فإني أول من يفقد الشهية، و يقولون لي دائماً أن هذا هو سبب هزالة جسمي و نحافتي و توقف نموي !… رحت أرجو أخي “الموظف” ليمنحني عشرة دراهم أمضي بها الليلة، يرفض بشكل لطيف و يبرر موقفه و يقول: ” نعطيهالك باش تكمي بيها ؟! “، لكنه يتراجع و يدس يده في جيبه و يمن علي بالمبلغ اللازم للسهرة، آه … على فكرة، أثمنة المشروبات في المقاهي بمدينة الرشيدية لا تتعدى خمسة دراهم. أحذت الألف فرنك و توجهت إلى غرفتي لأرتدي ملابس السهر و أتعطر و أجمع أوراقي المبعثرة في كل مكان و أبحث عن قلمي الضائع مرة تحت فراشي، مرة بين ملابسي و مرة أخرى في مكانه فوق مكتبي الصغير.

تأكدت من عدم نسيان أي شيء، قصائد نزار و مقالات أيوب، و خواطري المتردية أوراقها، و تعمدت ترك ساعة اليد على الطاولة لأشبع رغبتي في الكتابة و لا أعرف الوقت إلا حين طلوع النهار أو آذان صلاة الصبح،إذا سمعته طبعاً، لأنني سأكون مبحراً في عالمي الخاص.

خطوات قليلة تفصلني عن المقهى و شوقي إلى أوراقي المحفوظة في الملف المغلق يزداد و يكبر … لحظة من السكون و توقف التفكير، و فجأة صوت مألوف يناديني :” عبدالله … عبدالله …”، أف إنه “حسن” قريبي المتطفل الذي يتكلم بدون انقطاع، وقف أمامي و أنا أتأمل عينيه الغائرتين و ابتسامته التي لا تختفي عن وجهه حتى عند نومه، و قلت في نفسي: ” لا كتابة، و لا خواطر اليوم …. !”

ببساطة … أنا

استعد، و أحضر سيجارة، و اقرأ ما كتبت ... فإني لا أدخن الحشيش

صاحب المدونة :

لا يهمني ما يقوله الآخرون عني بقدر ما أهتم بالعناية بشعري حين يتجاوز طوله عشرين سنتيمتراً